ناشدتني العراق الحبيبة بألم وفرحة لزيارتها، فما كان لي إلا أن ألبي نداء الروح، وهاهي الساعة العاشرة والنصف صباحاً من نهار الاثنين التاسع والعشرين من شهر تشرين الثاني للعام 2010 تدُقُ مُعلِنةً وصول طائرتي القادمة من مطار الملكة علياء الدولي في عمان إلى مطار بغداد الدولي، بدأت الطائرة بالهبوط وبدأ قلبي بالخفقان بسرعة رهيبة، اعتلى وجهي ابتسامة جديدة من نوعها غريبة لم أعرفها من قبل، وغرغرت عيني فرحاً برؤية اسم مطار بغداد الدولي على الواجهة المقابلة لشباك الطائرة، فرحاً رقصت لكني لا أخفيكم الخوف الذي اعتراني، ليس خوفاً من القصف أو نيران بندقية ما أو تفجير ما فقد أعتدنا ذلك كفلسطينيين ولكن خوفي كان ألا أرى العراق حزيناً كحزن فلسطين وألا أبكي فلسطين مرة أخرى في العراق.
هبطت الطائرة حيث استقبلنا منسق الملتقى مع شاب عراقي آخر، فرحتي ازدادت وبدأت الراحة تدخل لقلبي، و كانت سعادتي عندما صعدنا للقاء الشباب البقية التي تنتظرنا حيث التقيت بأصدقاء لم لتقيهم منذ أكثر من عام، فها هو السوداني الجميل معتز وياسين المغربي الذين التقيت بهم قبل عامين في الأردن، و بعد سماعي بأن أصدقاء أردنيين آخرين أعرفهم سيلحقون بنا بعد أيام زادت سعادتي حيث تأكدت بأن اللقاء سيكون أجمل لأنني سأجدد أيام جميلة مع أصدقاء قدامى. جلسنا ننتظر في المطار بقية القادمين من دولهم العربية، وخلال وصول الجميع بدأت أتعرف على المشتركين الموجودين وإذ بي أبني علاقة سريعة وجميلة مع منال اللبنانية والتي كنا فيما بعد زملاء غرفة واحدة وسمراء أنرجيلة بالليل.
خرجنا من المطار وانطلقنا إلى بابل الحضارة، بابل حمو رابي و نبوخذ-نصر، بابل التي طالما سمعنا قصصها التاريخية ودرسنا عنها بالمناهج الدراسية، لا أخفيكم حزني طوال الطريق وأنا أتمعن بالنظر إلى الشوارع الرئيسية على طريق بغداد بابل، حزني هذا هو نفسه عندما أتحرك بين مدينة وأخرى في وطني الحبيب فلسطين، ولكن صدمتي الأكبر كانت عندما خرجنا من المطار حيث أول ما وجدناه ألا وهي منطقة عسكرية أمريكية مغلقة يعلوها جدار ونقاط مراقبة مماثلة بل مشابهة تماماً لتلك التي تقوم إسرائيل ببنائه حول مدننا الفلسطينية ومنطاد مراقبة سماوي نفسه أيضاً الذي يعلو سماء بعض التلال التي تبنى عليها المستوطنات الإسرائيلية، حزنٌ أعمق من أي حزن، فها هي إسرائيل وأمريكا تفرضان قوتهما العسكرية بصورة مخفية داخل عراقنا الحبيب، هي نفسها المناطق المغلقة ونفس طريقة بناء الجدار الذي يدعون إنه لحماية المدن، نفس الذكريات عادت إلي وكأنني أتجول بين رام الله والقدس وكأنني أرى قلقيلية الفلسطينية محاصرة بالجدار من جميع الجوانب ويحكم خروج ودخول أهالي البلدة بوابة وجندي لا يتجاوز العشرين من عمره، نفس المشهد ببعض الاختلافات الصغيرة، لا أعرف حقاً إن كانت هذه القوات هي فعلاً للحماية أم هي نفسها التي ستفرض نفسها بطريقة عسكرية يوماً ما، لا أستطيع الجزم فلست أعيش هناك.
شعرت حينها بحاجة ماسة إلى الوصول إلى المكان الذي سننام فيه لأبتعد قليلاً عن إعادة المشاهد التي أتيت بها من فلسطين إلى العراق، لكنني بنفس الوقت فرحت فرحاً شديداً بأنني هناك في أرض دجلة والفرات، في الأرض التي أحببنا منذ كنا صغاراً أكثر من أي أرضٍ أخرى، حيث نحن كفلسطينيين تربطنا بالعراق علاقة غريبة من نوعها بغض النظر عن من صنعها لدينا ولكننا لا ننسى الفضل الكبير للعراق الحبيب بأهله وبرئيسه السابق على فلسطين والفلسطينيين، بغض النظر عن كيف يفكر كلٌ منا حول الأشخاص المقصودين إلا أن العراق وفلسطين يجمعهما حبٌ لا يوصف كمثل حُب الروح للجسد، فلقد شعرت إنني أعيد وصل الجسد إلى الروح عندما كنت هناك وكأنني أؤكد صلة قطعها الاحتلال الإسرائيلي والأمريكي بسنوات من الفصل والعدوان، نحن نحب العراق وهذا لن يتغير، هذا ما كنت أذكر نفسي به كلما رأيت شيئاً محزناً.
شددنا الرحال إلى بابل ووصلناها منهكين من سفر يومين متواصلين من فلسطين إلى الأردن إلى بغداد وأخيراً قلت لنفسي وصلنا بابل، ووصلنا المكان الذي سنقيم به وازدادت دهشتي الكثير عندما عرفت تاريخ هذا المكان وما كان عليه سابقاً وما هو عليه الآن، لم أعرف بصراحة ماهية شعوري، هل أفرح أم أحزن، هل أعُدُ ذلك شرفٌ لي أم شيء عادي، فعلاً اختلطت المشاعر علي فقررت ألا أشعر أبداً وأن أحاول أن أستمتع فقط بالمناظر الطبيعية الجميلة التي تحيط بالمنتجع السياحي الذي نقيم به، وما زاد فرحتي أكثر وأكثر ألا وهو رؤيتي لرافدٌ من روافد نهر الفرات يقطع المكان الذي سنسكن فيه أسبوع كامل، يا للفرحة والسعادة سنقيم على ضفاف الفرات، هنا قفزت فرحاً وبدأت آخذ مجموعة من الصور وتمنيت أن يكون هناك اتصال للانترنت لأستطيع إرسال هذه الصور إلى أمي وأثلج صدرها برؤية الفرات ورؤية العراق، فهي من أكثر الناس الذين تعلمت منهم حب العراق، فلا أنسى القصص التي كانت تحدثنا إياها ونحن صغار عن العراق وعن حب العراقيين لنا وعن مساندتهم إيانا في الحروب وعن النصب التذكارية لشهداء العراق الذين قاوموا جنباً إلى جنب معنا في حروبنا ضد الاحتلال الإسرائيلي، وأذكر جيداً كيف كنا نتمنى أن يضرب صدام تل أبيب عندما كان يهددهم في أوائل التسعينات حتى أنني أذكر جيداً شعارات رددناها ونحن صغار تقول( يا صدام و يا حبيب، أضرب أضرب تل أبيب) كنا نتمنى ذلك.
أعرف أن بعض أصدقائي العراقيين لن يحبوا كيف أتحدث عن صدام وعن حب الفلسطينيين له، لكنني يا أصدقائي لقد شرحت لكم موقفي وشعوري وأنا جالسة معكم في العراق، فنحن لم نكن ندرك كل ما كان يقوم به صدام مع شعبه وبغض النظر لا أستطيع أن أكرهه لمجموع الأشياء السيئة وأنسى مجموع من الأشياء الجيدة باتجاه الشعب الفلسطيني، وهذا أبداً لا يعني أنني أبرر أو أوافق على ما كان يعامل به شعبه، كلٌ له رأيه، ولكن الأهم الآن هو العراق الجديد الذي رأيناه العراق الجميل الذي سنبقى نتحدث عنه ما حيينا، العراق الذي لا نراه على شاشات التلفاز المباعة للعدو ولا نقرأ عنه في الصحف، العراق الحقيقي الأصلي الذي يحيى ويزدهر في أهله الرائعين، الذين يغنون في أفراحهم ويبكون عند أحزانهم ويكملون مسيرهم بطبيعة جديدة مختلفة عن طبيعة حياة أي بشر آخرين بخصوصية صنعوها لأنفسهم، العراقيين هؤلاء ذكروني بأهلي وشعبي الفلسطيني الذي قام بإعادة إنتاج أي شيء ينقصه ليعيش كما يريد، أفتتح الطرق الالتفافية حتى يصل إلى المكان الذي يريد، صنع أمور تعجز شعوب التكنولوجيا والتقدم عنها، وعاش سعيداً ولم ينسى أن يقاوم، هكذا هو الشعب العراقي أيضاً فلقد لمست بصوت كل واحد حزناً على ما مرت به عراقه الحبيب ولمست فرحاً بالعراق الجديد الذي يبنوه، ولم ينسوا أن تحرير العراق هو مع خروج آخر جندي أمريكي من أرض العراق الحبيب، لذا نحن نحبك يا عراق، لتحيا وتعيش وتقاوم.
أقمت بالعراق حوالي الأسبوع، كانت من أجمل الأيام بحياتي، وأتذكر حينما كنت أعاود سرير النوم وفي ساعات متأخرة في أغلب الأحيان، كان البعوض يسامرني طول الليل، لا يتركني وهلة لوحدي، يشبعني طنينا وعضاً. البقع الحمراء انتشرت في بعض الزوايا من جسمي، ورغم التخفي تحت الغطاء كان يخترق الحواجز والسدود، ولكنني من كثر التعب والإرهاق كنت أعجز عن طرده فأنام مستمتعةً به فأصبح جزءاً من حكايتي مع النوم هناك، واعتبرتها طريقة جديدة للترحيب بي، ليظل يذكرني بزيارتي لفترة من الوقت. ولا أنسى تلك المحادثات الليلة التي كنا نقضيها بالغرفة أنا وزميلاتي الأولى السمراء الجميلة المغربية كريمة والشقراء الرائعة اللبنانية منال، بالرغم من أنه كان لنا أن نختار كل واحدة غرفة منفردة إلا أننا اخترنا أن نكون معاً في غرفة واحدة كبيرة الحجم نوعاً ما، لكننا استمتعنا بذلك فكان دور منال إيقاظنا بالصباح وكان دوري أنا وكريمة سرقة أكياس المحارم من المطعم وإحضارها للغرفة، ومن أجمل اللحظات أذكر تلك اللحظات التي كنا نسرقها من وقت الغداء لنذهب أنا وكريمة لننام حوالي نصف ساعة نعوض بها سهرنا المتأخر ونبدأ بمحاولة أن نغفى قليلاً ألا والمزعجين الثلاث نعم هكذا سأسميكم المزعجين الثلاث – محمود المصري وهشام الجزائري وأحمد الأردني - يأتون لغرفتنا ويبدؤون بالطرق الشديد على الباب ويبدؤون بالصراخ والإزعاج لأنهم لا يردوننا أن ننام، فنستيقظ لا حول لنا ولا قوة.
ومن أجمل الذكريات تلك التي كانت تجمعنا آخر الليل أمام غرف المجمع الرئاسي كما تسمى بالمنتجع السياحي وبعضنا يرقص دبكته الشعبية وآخرون يتسامرون، ومحمود ممتاز المصري يخطط أو ينفذ بعض من مقالبه الجميلة التي اشتقنا إليها فعلاً، وآخرون يغنون وبعض يدخنون الأرجيلة وهكذا كل ليلة، وننهي ليلتنا ببعض من الألعاب للتعارف أكثر على بعض، وطبعاً كان هناك شخصٌ من كل نوع من الشباب العربي، فكان هناك ممن يجعلوننا نضحك وهناك من لا نسمع صوته إلا بالمناسبات وهناك من لا يسكت وهناك من لديه أفضل النكت وآخر من لديه ألعاب وفعاليات طوال الوقت وهكذا، كنا نستمتع بهذه الوحدة العربية استمتاع لا حدود له، وكان هذا اللقاء العربي يختلف عن ناظره في المرات السابقة لعدة أسباب، فعدد الشباب المشارك كان أقل من أي مرة سابقة في لقاءات مشابهة وأيضاً لأننا كنا محصورين في منطقة واحدة لا نخرج منها بالتالي تقوت علاقتنا مع بعضنا البعض بصورة قوية جداً حيث كنا طوال الوقت نجلس معاً ونتحدث في ورش العمل نعمل معاً في السهرات في الجلسات في كل شيء معاً، وكانت لحظات ممتعة نقضيها بجوار بعضنا البعض مما جعلنا أصدقاء حقييقيين ومقربين.
من أجمل التجارب أيضاً كانت رحلتنا إلى زيارة حضارة بابل العريقة، يا الله كم كان الشعور جميل رغم إنني استفززت جداً من سرعة الرحلة والركض الذي حصل فلم نستمتع كثيراً بالمناظر ولم آخذ لحظاتي بالتمعن والتحديق بالآثار، لأنني من الأشخاص الذين يحبون أن يقضوا بعض الوقت أمام الآثار وأن أسرح بخيالي إلى الزمن الماضي الذي كانوا يعيشونه به هؤلاء الأشخاص وأتخيل كيف كانوا يعيشون وكيف كانوا يقضون أوقاتهم، يا إلهي كم كان شعورٌ رائع رؤية واحدة من أهم الحضارات و أقدمها على وجه الأرض، الحضارة التي اخترعت القوانين والأختام وغيرها، حضارة جميلة جداً.
ولكني أعتقد إن تجربتي في الزيارة الثانية أضافت إلى قاموس حياتي العديد من التعريفات الجديدة وأضافت إلى كأس حياتي نوع مختلف من الشراب، فقد كانت تجربة مختلفة جداً، حيث الطابع الديني هناك شيء جداً مختل عن كافة الأماكن الدينية التي زرتها من قبل، طريقة الأشياء لا اعرف لماذا لكنها لم تكن شيء اعتدت عليه حتى في زياراتي الدينية إلى المسجد الأقصى أو كنيسة القيامة، أو أي مكان آخر، كان له طعم مختلف حيث هو مرقد السيد الحسين رضي الله عنه وهو مكان ذو أهمية كبيرة لدى المسلمين الشيعة، تجربتي المختلفة لم تكن بالمكان لكن باللباس الذي فُرِضَ علينا نحن الإناث لباسه، أعرف وأدك تماماً إن كل مكان له احترامه و قدسيته نلتزم به بلباس معين سواء بالدين الإسلامي أو المسيحي فهو سواء ولكن أن نجبر على وضع ملاءات و عباءات سوداء قاتمة قاتله فوق ما كنا نلبسه من ملابس ملتزمة وحجاب للشعر فوق كل هذا أجبرنا على وضع شيء فعلاً أكتسح قلبي بالسواد فلا علاقة لهذا الشيء بالدين الإسلامي أو بالدين ككل، فالالتزام الديني أن يخفى كل شيء وأن يكون اللباس فضفاضا لكن فوق كل هذا وضعنا السواد واكتسحنا به اكتساحا قاتلا، لم أحتمله طوال الرحلة جعل حركتي مقيدة و رؤيتي محدودة وكان أكبر همي ليس أن نحافظ على قدسية المكان بل أن نحمل هذه العباءة الثقيلة ولا نجازف بأن تنزل قليلاً منا أو يقع طرفها أو أو أو ..... مما فعلاً أزعجني طوال الوقت، في كل الأماكن التي زرتها التزمت باللباس الذي يحافظ على احترام المكان لكن هذا السواد الهائل قتل جزء من استمتاعي بالمكان، لكن لا أنسى كم الأشياء الجميلة التي كانت موجودة هناك في كربلاء، جمال المكان الديني والمسجدين والاستقبال الحفيف ولا ننسى الهدايا التي قدموها لنا.
استمتعت بهاتين الرحلتين التاريخية في بابل والدينية في كربلاء ولكن فرحتي كانت ناقصة برؤية بغداد، لم أرى بغداد المدينة ولا حاراتها ولا شوارعها وأزقتها ولا ناسها، لم أرى بغداد التي يحبها كاظم ويسهر معها وتغار منها جميع النساء، بغداد التي قال بها كاظم "وهل خلق الله مثلك في الدنيا أجمعها؟".
كانت بغداد حلماً آخر بالنسبة لي و لم أستطع تحقيقه للأسف، لكنني متأكدة بأنني سأعود لزيارتها في القريب العاجل. هذه كانت زيارتي إلى بلدٍ حلمتُ بزيارته إلى العراق الجميل، العراق الجديد الحديدي بإرادته المتجدد بجماله والأروع بشعبه الجِديّ بمناقشاته وسياسياته حتى الشخصية، فهو مثلاً ليس كالشعب المصري الذي يُضحِكُك حتى بأكثر الأمور جِديةً لكن لكل شعب خصوصيته المرسومة عبر العصور من خلال أحداث مر بها، لكن الأهم كان الكم الهائل من الخبرات التي انتقلت إلي عبر المكان والأشخاص والصور والأحداث التي مررت بها خلال زيارتي للعراق الحبيب، زيارتي ليست كسابقاتها ولا كلاحِقاتها، زيارةٌ ذو طابع مخيف جميل بسيط ومعقد بنفس الوقت، كرؤية الشوك وشم الياسمين بآنٍ واحد.
ويبقى الجرح العراقي جرح كل عربي أصيل...
مسرحية قذرة يديرها الأميركي بصلابة على أرض امتزج ترابها بأطهر الدماء....
مسرحية حاولوا أن يجعلوا من أبطالها الخونة نموذجاً لديمقراطيتهم المصطنعة. ..
مسرحية لا زلنا نشهد فصولها رغم كل قذارتها ...
ولكن لا بد من نهاية ..
ولا بد أن ينفض شعب العراق العظيم نجس الأميركيين عن أرض الرشيد
فكيف يجتمع الطهر والنجس بمكان واحد ؟؟
لا أعتقد بأنهما يجتمعان ..
فردوس سلامة
6/12/2010
بعد الوصول إلى أرض الوطن بعد رحلة العراق الجميلة